عبد القادر الجيلاني

35

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

تاب وآمن وعمل صالحا يبدّل اللّه شقاوته إلى السّعادة وأمّا القدر في الأزل من السّعادة والشّقاوة لكلّ واحد جامع ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « السّعيد سعيد في بطن أمّه ، والشّقيّ شقيّ في بطن أمّه » « 1 » . فليس لأحد أن يبحث فيه ؛ لأنّه من سرّ القدر ، ولا يجوز أن يحتج أحد بسر القدر . قال صاحب تفسير البخاريّ : إنّ كثير من الأسرار يعلم ولا يتكلم به كسرّ القدر ، فإنّ إبليس أحال أمره إلى سرّ القدر فلعن بذلك ، وإنّ آدم عليه السّلام أضاف عصيانه إلى نفسه فأفلح ورحم . وفي الرّوايات ناجي بعض العارفين : إلهي أنت قدّرت ، وأنت أردت ، وأنت خلقت المعصية في نفسي ، فهتف به هاتف : يا عبدي هذا من شرط التّوحيد ، فما شرط العبوديّة ؟ فعاد فقال : أنا أخطأت ، وأنا أذنبت ، وأنا ظلمت نفسي ، فعاد الهاتف فقال : أنا غفرت ، وأنا عفوت ، وأنا رحمت . وقد أوّلوا أنّ المراد من الأمّ في الحديث مجمع العناصر الّذي تتولّد منه قوى البشريّة ، فالتّراب والماء مظهر السّعادة ؛ لأنّهما محييّا ومنبتا العلم والإيمان والتّواضع في القلب . وأمّا النّار والرّيح فالعكس ؛ لأنّهما محرقان ومميتان . فسبحان من جمع بين هذه الأضداد في جسم واحد كما يجمع بين الماء والنّار ، وبين النّور والظّلمة في السّحاب كما قال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) [ الرعد : الآية 12 ] . سئل يحيى بن معاذ الرّازيّ : بم عرف اللّه تعالى ؟ فقال : يجمع بين الأضداد . ولذلك كان الإنسان نسخة أمّ الكتاب ، ومرآة الحقّ جلالا وجمالا ، ومجموعة الكون ، ويسمّى كونا جامعا وعالما كبرى ؛ لأنّ اللّه خلقه بيديه - أي : بصفات القهر واللّطف - لأنّه لا بد للمرآة من الجهتين - يعني : الكثافة واللّطافة - فيكون مظهر الاسم الجامع بخلاف سائر الأشياء ، فإنّها خلقت بيد واحدة - أي : بصفة واحدة - . أمّا صفة اللّطف فقط كالملائكة ، هم مظهر اسم السّبوح والقدّوس فقط . وأمّا صفة القهر كإبليس وذريّته وهو مظهر اسم الجبّار ، ولذلك تجبّروا وتكبّروا عن السّجدة لآدم عليه الصّلاة والسّلام .

--> ( 1 ) رواه مسلم بنحوه ( 2645 ) .